على بالي

وقالت السيادة كلمتَها. بعد طول انتظار وإصرار على أن يكون انتخاب الرئيس اللّبناني لبنانيّاً صرْفاً هذه المرّة، حسمت السيادة موقفَها باختيار جوزيف عون رئيساً. السيادة أخذَت وقتها قبل أن تقطع، واعتمدت على حقائب من المال أرسلَتها قطر والسعوديّة وأميركا تحت عنوان «دعْم الجيش اللّبناني».
ودعْم الجيش اللّبناني يأخذ أشكالاً وألواناً مختلفة، منها ابتياع السياسيّين والصحافيّين، وحتى المؤثّرين على مواقع التواصل الاجتماعي. كلّ هذا شكّل عناصر مؤثّرة في بنية السيادة. واجتمعت عناصر السيادة اللّبنانيّة الثلاثة (أي أميركا والسعودية وقطر) للتداول، وقرّرت بالإجماع اختيار الرئيس اللّبناني. ودَور الدول الخليجيّة في الانتخابات اللّبنانيّة مهم جداً؛ لأنّ هذه الدول ضليعة في الشأن الدستوري وأصول النُّظُم الديموقراطيّة.
والسيادة لا ترضى إلّا بتدخّل دُول معيّنة: «المجتمع الدولي» (اسم كودي مُعتمَد لحلف الناتو، و«الحضن العربي» يعني النظامين السعودي والإماراتي ومن يتبعهما في العالم العربي). هذه الدول هي عنوان السيادة، والفريق السيادي اللّبناني يتبع لها، تماماً. وفريق السيادة في لبنان لا يمانع أنْ تعمَد السيادة إلى توزيع الرشى على النوّاب والوزراء لترجمة اختيار دول السيادة الخارجيّة. وفي عُرف فريق السيادة المحلّي، إسرائيل هي أيضاً من ضمن منظومة السيادة (فلَو أنّ «حزب الله» سقط من الحسبان، لكان هؤلاء قد فرضوا 17 أيّار جديداً، أيضاً باسم السيادة. ينسى البعض أنّ نظام أمين الجميّل روّج لاتفاقيّة 17 أيّار الذليلة باسم السيادة).
والسيادة كانت دائماً راعية للبنان: بين عامَي 1948 و1975، كانت السيادة في أيدي دول الغرب، وألحقت لبنان بمنظومة العالم الحرّ (الذي ضمّ بينوشيه وفرانكو وجمهورية الفصل العنصري في جنوب أفريقيا)، وفي الحرب الأهلية، تطاحنت السيادات إلى أن توافق النظام السوري مع منظومة الغرب في محطّات متفرّقة (إما ضدّ اليسار اللّبناني والفلسطيني، أو ضدّ «حزب الله» يوم مشت سوريا في مسار المفاوضات مع إسرائيل). وفي الحديث عن السيادة، يجب التنويه بدَور حزب «الكتائب اللّبنانية» لأنّه اجترح خطاب السيادة في الخمسينيّات، عندما بدأ بتلقّي التمويل والتسليح الإسرائيليين، أي إنّ أصل مفهوم السيادة اللّبنانيّة هو إسرائيلي.
